حسناء ديالمة
64
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
الجانب الاجتماعي لم يحدث الانقلاب في البيئة العربية فجأة ، بل بدأ التبدل فيها منذ خرجت جيوش الفتح إلى أقطار العالم في الشرق والغرب ، ومنذ أخذ الإسلام ينتشر في صفوف غير العرب ، ومنذ شرع البدو يتخلّون عن سكنى البادية ، وينزلون الحواضر ، ومنذ تزوّج الفاتحون العرب الفارسيات والتركيات والروميات . إلا أن هذا التبدّل التدريجي كان قد بلغ مع قيام الدولة العباسية مبلغا لفت الأنظار . العرب في الأصل - إلا أقلّهم - بدو رحل يحملون مبادئهم وقيمهم مع خيامهم وينتقلون بها من مكان إلى آخر ، لا يذكرون إلا صلة النسب أو ما هو بمعنى النسب من الولاء والحلف . وشرعوا يتخلّون عن سكنى البادية ، وينزلون الحواضر في عهد بني أميّة « فدعاهم النزول في الحضر إلى الترف واللهو وإلى ضياع كثير من محامدهم الأولى من الفطرة الخيّرة والشجاعة والنجدة ، ثم انتشر بينهم كثير من مساوئ المدنية كالشراب والانغماس في اللذات » « 1 » . من ناحية أخرى جعل الفتح الإسلامي العرب يحتكّون بأمم غير عربية . فتزوج العرب بغير العربيات ، فنشأ بذلك جيل مولد بين العرب وغير العرب . هذا الجيل الجديد كان أكثر إمعانا في اللّهو من الجيل العربي الأول . ثم كثرت الجواري أيضا وشاعت المجالس التي يجتمع فيها الناس كلّهم ، وحدث السّفور ( بروز النساء في المجالس ومجاراة الرجال في النّزه والغناء ) . « وقد أخذ الأمويون كما أخذ العباسيون من بعدهم نظام مجالسهم عن الفرس » « 2 » وتطوّر الغناء تطوّرا بارزا بسبب ما انتقل إليه من الفن الفارسيّ وأشياء قليلة من الفن الرومي . وكان حظ الحجاز من هذا التطور في الغناء عظيما جدّا ، وكان أهل الحجاز صنّاع هذا التطوّر ، « فقد امتلأت مكة والمدينة وضواحيها بالمغنين والمغنيات وكان لمغنّي مكة مذهب في الغناء ولمغنّي المدينة مذهب ، وكان بين الفريقين مفاخرة » « 3 » .
--> ( 1 ) عمر فروخ ، الأدب العربي ، مرجع سابق ، ج 2 ص 39 . ( 2 ) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 532 . ( 3 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، مطبعة اعتماد ، القاهرة ، د . ت ، ج 1 ص 176 .